فوزي آل سيف

134

من قصة الديانات والرسل

وهذا يحتمل أحد معنيين: ١) الأمر بمعاملتهم كأهل الكتاب؛ وإنْ لم يكونوا من ضمنهم؛ أي الحكم عليهم بالطهارة، وجواز النكاح منهم، وقبض الجزية منهم مقابل حمايتهم في البلاد الإسلامية، والسماح لهم بممارسة شعائرهم العبادية، وإباحة ذبائحهم (وهذا الأخير بحسب مدرسة الخلفاء فقط؛ بينما لا يحلْ ذلك في مدرسة أهل البيت). ٢) أنهم أهل كتابٍ سماوي بالفعل؛ إذ لو كانوا وثنيين فلا معنى أن يُعاملوا معاملة أهل الكتاب. الوثني الكافر نجسٌ لا يجوز الحكم بطهارته! نعم أصاب كتابهم التحريف، وخالط عقيدتهم وسلوكهم الابتداع، ولكنهم في أصلهم أهلُ كتاب. وتوجد رواياتٌ تعيِّنُ أنهم أهل كتابٍ ولهم نبيٌّ، ولكنهم قتلوا نبيهم وأحرقوا كتابهم وهذا ما ورد في حديث ينسب لرسول الله محمد صلى الله عليه وآله حيث جاء في الكافي - وإن كانت رواية مرسلة إلا أنه عُمل بها من قبل العلماء-: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن المجوس أكان لهم نبي؟ فقال: نعم أما بلغك كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أهل مكة أن أسلموا وإلا نابذتكم بحرب فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أن خذ منا الجزية ودعنا على عبادة الأوثان، فكتب إليهم النبي صلى الله عليه وآله: إني لست آخذ الجزية إلا من أهل الكتاب فكتبوا إليه - يريدون بذلك تكذيبه -: زعمت أنك لا تأخذ الجزية إلا من أهل الكتاب ثم أخذت الجزية من مجوس هجر! فكتب إليهم النبي صلى الله عليه وآله: أن المجوس كان لهم نبي فقتلوه وكتاب أحرقوه..[368] على هذا فإنّ التحريف أصبح بعد حرق الكتاب المنزل إليهم؛ لا سيما ذلك التحريف الذي أنتج قضية نكاح المحارم؛ إذ سنَّ تلك السنة فيهم حاكمٌ استهوته بنت أخته أو أخيه وكانت فائقة الجمال؛ فسخّر رجال البلاط لإصدار فتوى تبيح نكاح المحارم، وتابعه رعيته في ذلك. بناء على هذه الرواية وبناء على ما قال العلماء من أن ّ - الله سبحانه وتعالى - مايزَ بين المجوس والذين أشركوا في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) فقد عدّ المجوسَ بجانب اليهود والنصارى في مقابل الذين أشركوا؛ مما يعني أنّ أصل ديانتهم ديانة سماويةٌ توحيدية، والتحريف طارئٌ عليها؛ فأتباع الديانة المجوسية أهلُ كتابٍ في الأصل. فإذا كانت السنة فيهم سنة أهل الكتاب، فكما تقدم هم محكومون بالطهارة وبجواز نكاح نسائهم من قبل المسلم ـ مع انتفاء الموانع ـ وقد ادعى عليه العلامة في تذكرة الفقهاء الاجماع، وقال " فالروايات متظافرة بأنهم أهل كتاب - وبه قال الشافعي لقول عليّ عليه السلام: " أنا أعلم الناس بالمجوس كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه " الحديث، رواه العامة ومن طريق الخاصة: ما تقدم (يشير إلى مرسلة الواسطي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام). وقال أبو حنيفة وأحمد: لا كتاب لهم، لقوله عليه السلام: " سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب " ويحتمل أن يكون المراد من له كتاب باق، أو لأنهم كانوا يعرفون التوراة والإنجيل".[369]

--> 368 الكليني: الكافي ٣/ ٥٧١ 369 الحلي؛ العلامة الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء (ط. ج)٩/٢٧٩